سيد محمد طنطاوي

223

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّه ، ويَقْتُلُونَ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ) * . فاسم الإشارة ذلك يعود إلى تلك العقوبات العادلة التي عاقبهم اللَّه بها بسبب كفرهم وفسقهم . والآيات : تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية اللَّه - تعالى - وربوبيته وتطلق ويراد بها النصوص التي تشتمل عليها الكتب السماوية ، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغون عن اللَّه - تعالى - ، وهي التي يسميها علماء التوحيد بالمعجزات . وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع * ( يَكْفُرُونَ ) * . أي : ذلك الذي أصابهم من عقوبات رادعة ، سببه أنهم كانوا يكفرون بآيات اللَّه وأدلته الدالة على وحدانيته وعلى صدق رسله - عليهم الصلاة والسلام - وتلك هي جريمة بني إسرائيل الأولى . أما جريمتهم الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله * ( ويَقْتُلُونَ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) * أي أنهم لم يكتفوا بالكفر ، بل امتدت أيديهم الأثيمة إلى دعاة الحق وهم أنبياء اللَّه - تعالى - الذين أرسلهم لهدايتهم فقتلوهم بدون أدنى شبهة تحمل على الإساءة إليهم فضلا عن قتلهم . وقال - سبحانه - * ( بِغَيْرِ حَقٍّ ) * مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدا . لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر في شريعتهم لأنها تحرمه . قال - تعالى - مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّه مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ومَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً « 1 » . فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم ، وتخليد مذمتهم ، وتقبيح إجرامهم حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ في الفهم ، أو تأويل في الحكم أو شبهة في الأمر ، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا ، ومخالفون لشرع اللَّه عن تعمد وإصرار . ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق ، فما فائدة ذكره ؟ قلت : معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا ، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم . فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم « 2 »

--> ( 1 ) سورة المائدة الآية 32 ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 217 .